الاخبار

إثنا عشرة عاماً بلا دوريش، ومعه

اليرموك63- خاص

لا زلت أذكر ذلك اليوم، حين أُعلن أن الشاعر الكبير، محمود درويش قد رحل، منهياً حياة حافلة ليس بالشعر وحده، بل بكثير من النضال حين كان لا يزال يشع ران النضال من الممكن أن يعيد فلسطين، ثم بالانتظار حين علم باكراً أن الجيل الفلسطيني الذي ينتمي إليه، لن يكون على موعد مع تلك الأرض التي تستحق الحياة.

 

 

في ستينيات القرن الماضي وحتى سبعينياته، كان القضية الفلسطينية في أوج ازدهارها واهتمام العالم بها، كان المقاتلون الفلسطينيون يحملون بنادق مستقلة، بالقدر الكافي الذي تستطيع فيه البندقية أن تستقل، يحلمون بوطن لا يعرفون تماماً كيف سيكون شكله او نظام الحكم فيه، بعد ان يصلوه ويطردون المحتل منه، معهم كان درويش، في خندق وادي الأردن وخندق بيروت وخندق تونس، شاعر يراقب زفرات المقاتلين ولا يتبناها على أنها مطلقة القدسية، لكنها لا يتعالى عليها نافراً منها، كان يحللها يحاول أن يشرحها بقصيدة كتب لها أن لا تنتهي.

 

بعد بيروت، خط درويش “مديح الظل العالي”، التي لا يمكن وصفها بقصيدة فقط، هي تأريخ شعري لحدث إنساني وسياسي لا يمكن إلا لمن عاشه أو عاش مثله أن يقدره، يصرخ الشاعر في القصيدة لا بصوته، بل بأصوات عشرات من مدنيين عرفوا وقع المعركة حين يكون قريباً من عتبة الباب.

عاتب درويش، حقد وهدد ووصف ونقل وتوعد، ثم سامح ودفن وقرأ وبكى، في قصيدة من الممكن اعتبارها، اهم انتاج ادبي ظهر خلال الحرب اللبنانية الطاحنة.

 

بعد سنوات، ودعنا درويش باكراً، في قصيدة ذاتية اسماها “لاعب النرد” فأجاب عن أسئلتنا عنه وعنها، فقل لنا كيف تأتي القصيدة، وأين تذهب، وأخبرنا عن نفسه وعلاماته وعيوبه، وتلى في مطلع قصيدته التي خطها حين صار بارعاً اكثر في الكلام، أفعالاً تصف تقلب الحياة فيه، وتقلبه فيها، فهو من نجى من الموت لأن هناك من أوقفه قبل ثوان من موعد الرصاصة، وهو من نجى لأنه كان يحلم، وهو الشاعر لأن لديه حظ اللغة.

يصبح درويش اجمل، حين يتلو بنفسه القصيدة، فيعطي كل حرف مساحة لا يمكن لك أن تصل إليها حين تقرأ انت القصيدة، هو يعرف لماذا وضع السين هنا، ولماذا أبعد الواو إلى هناك، ولماذ فاجئك بالقاف في نصف الجملة، وكأنه وزن كل حرف بميزان خاص، ليجعل الموسيقى في القصيدة حاضرة بشدة لا يمكن لأي قارئ سيئ تجاهلها.

ثم يأتي صوته، هذا العميق الخاص، المجروح حين يجب أن يكون، والاجش حين تطلب الكلمة نفسها منه أن يخرجها فخمة أنيقة رنانة، هنا فقط بصوت درويش، تُخلق القصيدة من جديد، وتصبح أقرب إلى العقل، إلى النفس، فقط حين تكون الأخيرة، عطشى لمن يقول عنها ما بها.

 

 

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s