مقالات

كيف خرجت المانيا من الدمار السياسي والاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية؟

وكالات – اليرموك63

الكثيرون رفعوا اعلام المانيا بعد تحقيق منتخبها لقب بطل العالم  لكرة القدم فى مونديال البرازيل، حيث انتاب الألمان موجة من الشعور القومى انعكس فى انتشار ملايين الأعلام الألمانية فوق الشرفات وعلى السيارات وفى كل مكان بعد ان كان هذا الامر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وصولا الى تسعينيات القرن الماضي أمرا مستحيلا مع بلد دفع اثمان باهظة لما فعله الالمان بقيادة هتل خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من تقسيم المانيا لشرقية وغربية، فما الذي فعله الألمان وكيف غدوا رابع اكبر اقتصاد في العالم وقادة للاتحاد الاروبي بالاقتصاد والسياسية وليس باحتلال العديد  من دول اوربة كما حدث  قبل سبعين عاما.

الاوربيين يخافون و يذكرون الألمان بأن مسئوليتهم التاريخية تحتم عليهم مراعاة مخاوف جيرانهم من هذه النعرة القومية حتى لو ارتبطت بالرياضة، مذكرة إياهم ايضا بأنهم وفى اول استطلاع للرأى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اجرى فى المانيا الاتحادية (الغربية) عام 1951 لم يكن لديهم هذا الانتماء القوي للعلم الألمانى بالوانه الثلاثة الأسود والأحمر والذهبي، بل طلب نصف المواطنين أنذاك تغيير اللون الذهبى بالأبيض الامر الذي ان حدث سيكون علمهم مطابقا بشكل كبير للعلم المصري.

  هذا الشعور القومى المتنامى لدى الألمان الذى حذرت بعض وسائل الاعلام يوم غزا علم بطل العالم بكرة القدم المانيا العالم، يعتبر ظاهرة حديثة هنا حيث  تراجعت حساسية الألمان نحو إظهار قوتهم وازدادت فى العقد الأخير المطالب بأن تتبوأ المانيا مكانتها العالمية دون خوف. فألمانيا اليوم تكتسب قوتها من وحدتها الأوروبية كما ان الثمن الذى سدده الألمان اثناء وبعد الحرب العالمية الثانية كان باهظا للغاية  وكذلك فإن الفضل فيما يعيشون فيه اليوم من رفاهية يعود للسواعد والعقول الألمانية فى المقام الأول.

أولا: نساء الأنقاض!

بعد  هزيمة المانيا فى الحرب العالمية الثانية وتسليمها فى 8 مايو 1945، كان الوضع كارثيا! فقدت المانيا ثلاثة ملايين ونصف المليون من ابنائها  وأعتبر 40% من سكانها من ضحايا الحرب فى حين عانى 60% من السكان التشرد والجوع  بعد أن دمر ثلثا البلاد بالكامل خاصة المدن الالمانية الكبرى التى سويت اكثر من نصف مساكنها بالأرض ، وفى الوقت الذى بلغ فيه عدد اسرى الحرب الالمان نحو 11 مليون اسير، وجد من تبقى من سكان المانيا انفسهم مضطرين لاستقبال نحو 25 مليون لاجئ من اصول المانية هربوا من المناطق التى كانت خاضعة للرايخ الالمانى فى بروسيا وبومرن وشليزيا والسوديت فى شرق اوروبا وبولندا والتشيك، ومثل إدماج هؤلاء اللاجئين تحديا ثانيا ضخما  للمجتمع الالمانى المنهار بعد الحرب. 

اما التحدى الأول الذى جابهته المانيا المدمرة والمحتلة  فكان نقص الرجال ، فمن بين اسرى الحرب الألمان بقى  نحو ستة ملايين اسير حتى عام 1948 فى المعسكرات السوفيتية ، فى حين ارسلت قوات الحلفاء ملايين الأسرى الآخرين إلى كل من فرنسا وبولندا وانجلترا للعمل بالسخرة من أجل إعادة بناء هذه الدول وإصلاح ما دمرته جيوش النازى ، وينظر الألمان بفخر للدور الذى اضطلعت به المرأة الألمانية فى هذه الفترة الصعبة ويتحدثون عن ظاهرة “نساء الأنقاض” ، فقد وجدت آلاف النساء الألمانيات انفسهن مع اطفالهن بلا مأوى او حماية من بعض ممارسات قوات الحلفاء والسوفيت على السواء، ولكنهن شمرن عن سواعدهن وكانت مهمتهن الأولى هى استخراج الحجارة السليمة من بين الأنقاض لإعادة استخدامها مرة أخرى فى البناء وإخلاء المدن والشوارع من الأنقاض ونقلها إلى خارج المدن وكذلك العمل فى المصانع التى لم تضرر من القصف ، وعاش الألمان ثلاث سنوات بعد الحرب فى ظروف تشبه المجاعة مع تقنين الغذاء وانعدام الرعاية الطبية بعد حل الصليب الأحمر الألمانى ونقص المحروقات للتدفئة فى الشتاء القارس فتضاعفت معدلات الوفيات عما كانت عليه اثناء الحرب نفسها!رغم ذلك تضافرت جهود النساء مع اللاجئين الوافدين لإزالة اثار الدمار وإعادة بناء ما يمكن بناؤه، فى غياب دعم الحلفاء الذين كانت خطتهم الأولى( خطة وزير الخزانة الأمريكى  مورجنتاو) فى هذه الفترة تحويل المانيا لدولة زراعية لا تنهض صناعيا ابدا حتى لا تهدد جيرانها.

ثانيا: مارشال وإيرهارد

 فيما يتعلق بالديون الخارجية كانت ألمانيا مدينة بمقدار30 مليار مارك لـ70 دولة وكان من الصعب علي الألمان تسديد ديونهم دون أن تتأثر ميزانية البلاد المثقلة بالالتزامات.وتم التوصل لإتفاق بلندن في فبراير1953 ألغيت بمقتضاه نصف الديون الألمانية بينما تمت جدولة النصف المتبقي ليتم تسديدها علي المدي البعيد. وجاءت الاحداث العالمية مع الالمان فقد نشبت الحرب الكورية1950 ـ1953 وصاحبت الحرب حالة من زيادة الطلب السلعي العالمي في وقت إنخفض فيه المعروض من السلع. وبالتالي لم تجد أسواق العالم بدا من فتح أبوابها علي مصراعيها لتلقي المنتجات الألمانية وبكميات كبيرة.
وكان الشعب الألماني في إنتظار الفرصة السانحة فانطلقت المصانع الألمانية والعمالة الماهرة لتلبية إحتياجات السوق العالمي وتمكن الألمان من مضاعفة قيمة صادراتهم خلال فترة الحرب الكورية والسنوات التي تلتها.
وعلي الرغم من إعتقاد البعض بأن المعجزة الإقتصادية الألمانية كانت نتاج لمشروع مارشال الذي دشنته الولايات المتحدة بعد الحرب لإغاثة إقتصاديات الدول الأوروبية, فإن الخبراء يؤكدون أن خطة مارشال لم تقدم لألمانيا الغربية سوي قدر ضئيل من المساعدة. فبحلول عام1954 قدمت خطة مارشال وبرامج المساعدات الخارجية المصاحبة ما قدر بـ2 مليار دولار فقط وفي عامي1948 و1949 لم تمثل مساعدات خطة مارشال سوي أقل من5% من الدخل القومي للبلاد. وكان إستنزاف المساعدات الخارجية المقدمة لألمانيا يتم بواسطة التعويضات التي كانت تقدمها لدول الحلفاء وقدرت بـ4,2 مليار دولار سنويا بالإضافة لتكاليف الإحتلال.

-على عكس ما كان يتبناه بعض سياسيى ألمانيا فى مرحلة بعد الحرب من ضرورة فرض سياسة اقتصادية مركزية لإنقاذ البلاد  نجح لودفيج إيرهارد وزير الاقتصاد  فى حكومة المستشار كونراد اديناور وابو المعجزة الاقتصادية الألمانية فى فرض سياسة اقتصاد السوق الاجتماعى التى اصبحت نموذجا المانيا يحتذى به ، حيث تمكن من المحافظة على عناصر السوق الحرة وآلياتها التى تحدد الاسعار وفقا للمنافسة والعرض والطلب مع وجود دور للدولة كراع للمصلحة العامة وللبعد الاجتماعى تتدخل لمنع كل اشكال الاحتكار ، وفقا لهذا النظام الناجح فإن كل ألمانى هو عنصر فاعل فى المجتمع مسئول عن نفسه وتجاه الآخرين وتتدخل الدولة لمساعدته فقط حين يعجز عن مساعدة  نفسه.

– تم تحديث وتجديد المصانع الألمانية فى الغرب فى اسرع وقت كما بدأت الدولة فى إصلاح شبكة المواصلات . غير ان العامل البشرى ظل هو العامل الحاسم وبدونه ما كانت هناك نهضة ألمانية ، فقد اظهر الألمان فى ألمانيا الغربية رغم إنكسارهم فى الحرب ووجودهم تحت احتلال فعلى ، رغبة واصرارا كبيرين على العمل الشاق وفقا لنظام والتزام صارم ، وسرعان ما استعادت ألمانيا الكثير من قوتها العاملة المؤهلة من خلال الاسرى العائدين لبلادهم فضلا عن علماء ألمانيا ومهندسيها واساتذة الجامعات  فيها وخيرة ابنائها الهاربين من النظام النازى الذين قرروا العودة إلى  بلادهم من جديد للمساهمة فى عملية إعادة البناء.

ويشير المؤرخون الألمان إلى روح التضحية والعمل الجماعى التى تميز بها الألمان فى هذه المرحلة ، فقد تراجعت التوترات الاجتماعية بين اللاجئين من اصول المانية وبين الألمان انفسهم وانخرط الجميع فى بناء الدولة الجديدة ، كما ساهمت النقابات فى ذلك بعدم المبالغة فى مطالبها لزيادات الرواتب وتراجعت المطالب الفئوية امام تحدى بناء المانيا الجديدة.

لقد تمكن الألمان الغربيون خلال خمس سنوات فقط من العمل الدؤوب والشاق من التغلب على تحديات جمة ووضع بلادهم المدمرة فى الحرب على طريق الإنطلاق الاقتصادى ، وبفضل المعجزة الإقتصادية تحول المجتمع الألمانى إلى مجتمع حديث منتج خدمى إستهلاكي نمت معه الطبقى الوسطى وارتفع فيه مستوى الطبقات الدنيا من فلاحين ومهنيين وتآكلت فيه الحدود الصارمة بينهما كما تضاءلت الفروقات بين المدينة والقرية وتكون اساس إجتماعى متين يسمح بالتعددية السياسية وإقامة نظام ديمقراطى على اسس سليمة ، وبعد إعادة توحيد شطرى المانيا عام 1990سرعان ما تمكن اقتصاد ألمانيا الغربية القوى من اعادة بناء دولة بكاملها فى الشطر الشرقى وكشف ألمان الشرق عن معدنهم الحقيقى وانخرطوا فى العمل للحاق بركب التطور الإقتصادى والصناعى فى الشطر الغربى .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s