آراء وكتاب

رواية جريمة في رام الله، فلسطينيون من لحم ودم

اليرموك63– قصي عمامة
ينجح عباد يحيى في روايته  “جريمة في رام الله” عن دارالمتوسط، في أخذ القارئ إلى مدينة رام الله، ليس في رحلة سياحية أو وطنية، بل يجول بنا كقراء في شوراعها الخلفية، مضيفاً المزيد من الواقعية اللازمة على صورة الشباب الفلسطيني الذي يظنه كثيرون مشغولاً فقط، بالنضال ضد الاحتلال.

يرسم يحيى بين شخصيات ثلاث “رؤوف ونور ووسام” تقاطع وتشبيكاً بنيوياً، فالنص لا يقدم الثلاثة مجتمعين معاُ، لن تراهم بين السطور يتحدثون أو يتحاورون أو حتى يمشون معاً، ليُصدم القارئ لاحقاً بتقاطع تفاصيلهم معاً، وتأثير كل منهم على الآخر، ففيما يترك يحيى القسم الأول من الرواية تقريباً، للحديث عن روؤف الشاب الذي أحب فتاة “دنيا” من مجرد لقاء جمعها في وسيلة نقل عام، ولم يشاهدها ثانية، يظهر نور في الباب الثاني ليبدو وكأنه منفصل عن رؤوف قبل أن تدرك مدى محورية الأول في حياة الثاني، ليعود نور ويلعب دوراً كشاهد ومتهم، على ما دمر حياة وسام، وهو الجريمة التي وقعت في رام الله في نهاية عام 2012.
قد لا تكون قصة رؤوف- كما يظهر في بداية الرواية وحتى منتصفها- أكثر من قصة شاب جامعي أحب فتاة دون أن يعرف حتى اسمها الثاني، ليغرق الشاب في انتظار المستحيل، وبناء حياته وترتيب بيته على أمل لقاءها من جديد، وكأن رؤوف كان يريد سبباً كي ينتفض على نفسه وعائلته وجامعته، فوجد في دنيا التي لن يقابل، سبباً مقنعاً لذلك، يثور الشاب – اجتماعياً- وتتبدل ظروف حياته، يقول إنه بعد دنيا ليس كما كان قبل دنيا، ليختم قرابة العام من عذابه وعزلته وحبه لها.
يظهر نور، من السطور الأول يحاول يحيى أن يرشدك إلى أن نور مثلي الجنس، “الحلو رقيق الصوت” تبدأ قصته من اللحظة التي تركه فيها رؤوف ولم يعد إلى المنزل، ليروي نور أياماً من طفولته وأول مراهقته، وهو ما فعله رؤوف أيضاَ، وهو في ذات حالة الانتظار والاستذكار والاشتياق لحبيبه رؤوف، الذي أحدث ثورة في حياته، يبدو نور في أشد الحاجة إليها، وليكرر ذات المعنى، قبل رؤوف وبعد رؤوف.

وسام لا يظهر إلا في اللحظة الأخيرة، مع حبيبته التي تتحول إلى الضحية، بعد أقل من صفحتين، وتقتل من مجهول على باب الحانة التي يعمل فيها نور ساقياً، لتتسارع بعد ذلك الأحداث بين اتهام نور بالجريمة من جهة، وانهيارات وسام وألمه وسير التحقيق، حتى إطلاق سراح نور وسفره، وانتحار وسام.

إذا كان نور هو البطل الحقيقي في الرواية، والشخصية المحورية الجامعة ما بين الثلاثة أو الأربعة، فيكاد يكون روؤف الأكثر غياباً رغم العدد الكبير من الصفحات التي احتلها في الرواية، لم يقل لنا يحيى كيف تحول الشاب الذي هام في عشق فتاة أسرته يدها “البيضاء الشفافة” إلى حب شاب أخر ومبادلته الغرام بالغرام، وكيف يتحول في النهاية إلى أسير لدى الاحتلال؟.
بين “نور” يحيى، و “نزار” خالد خليفة في طرح شخصية المثلي جنسياً، نور يبدو أكثر عقلانية واتزاناً وأقل أنثوية من نزار في “لا سكاكين في مطبخ هذه المدينة” نور يواجه لا يهرب، فيما نزار هارب وذليل، نور أكثر ثورية وأقل شهوانية، فيما نزار أكثر فضائحية، فيما تشترك الشخصيتان في تجسيد الصورة النمطية عن المثليين “هم ناعمون لا يجيدون المشي المتزن ويميلون لحب الأقمشة”.
باستثاء وسام الذي يظهر أخيراً، يسطير الجنس كثيراً على نور وروؤف، وتكاد تشعر أنه المحرك الوحيد لهما، تفاصيل النشوة الأولى والتعرف الأول، تغزو العقلين، فلا حراك لهما من دونه، حتى أن نور يعترف بأنه يرى الوجوه على أنها أعضاء جنسية.
يذهب وسام بعد أن قتلت حبيبته إلى طبيب نفسي، ويترك يحيى للطبيب الكثير من الصفحات يتحدث فيها عن نظريته في علاج وسام، لكن يحيى نفرنا من الشخصية سلفاً بوصفه لها قبل أن تبدء الحديث، ثم في منتصف حديثها، ورغم أنك كقارئ ستكون متعاطفاً مع وسام على حساب الطبيب بحسب ما مهد لك الكاتب، إلا أن هذا لم يمنعه من ترك الكثير من الكلام الذي سيقوله الطبيب وقد يكون مهماً، و يجبرك على المرور عليه دون تدقيق، لأنك كرهت الطبيب سلفاً.
يقول لنا يحيى في جريمة في رام الله إن الشباب الفلسطيني، ليس ذلك المنقى عن الدنيا ومتاعها، وليس هو بمختلف عن أي شاب آخر في العالم، له أحلامه ونزواته الطبيعية التي تستحق أن يعلن عنها ويعيشها ويخوض من أجلها المعارك.
لا تحمل الرواية شيئاَ لم نعتده، أو نختبره شخصياً في الحياة، علاقات مركبة، وهاجس جنسي مسيطر، انكفاء عن التفكير بالمستقبل، أو هروب من التفكير فيه، علاقات اجتماعية قلقة ومفكفة، وغير هذا من ما تعيشه المجتمعات العربية، لكن المميز في عمل يحيى، هو أنه وضع كل هذا في بلاد تقاوم الاحتلال، لتبدو الشخصيات بلحم ودم معتاد، بلا مبالغات أو بطولات أو أي استثناءات، أنهم هناك وهنا وفي كل مكان.

 

لتحميل رواية جريمة في رام الله 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s